محمد بن علي الشوكاني
2669
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ولا نعول على غير هذين الوجهين ، وذلك كقول من قال : إن ذلك لإصلاح الصلاة ، وقول من قال : إن إجابة النبي واجبة ( 1 ) ، فإن النقوض تطرق ذلك طروقًا لا يمكن التقصي عنه بحال . فإن قلت : إذا كان الجواب عن استشكال السائل للكلام في تلك الحال ، فما الجواب عن استشكال من استشكل الأفعال الصادرة منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، ومن الصحابة بعد السلام سهوًا ، وقبل التكبير للبناء ؟ . قلت : الجواب أن هذه شريعة وردت عن معلم الشرائع ، ليس لنا أن نستنكر منها ما لا يطابق عقولنا ، فإنه قد وقع الإجماع من جميع أهل الإسلام حسبما قدمنا تحقيقة أن حديث ذي اليدين حديث صحيح ( 2 ) ثابت عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، فما بقي بعد هذا إلا قبول ما جاء عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كما فعل ذلك جمهور الصحابة ، والتابعين ، وتابعيهم ، وسائر أئمة المسلمين ، وعلماء الدين ، فإنهم عملوا بهذا الحديث ، وقبلوه ، جعلوه حجة بينهم وبين الله سبحانه [ 6 أ ] . وأما ما يروى عن جماعة من أهل العلم من أن هذا الحديث معارض للأحاديث الواردة عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - في تحريم الأفعال في الصلاة ( 3 ) . فيجاب عن ذلك بأن ما دل على تحريم الأفعال في الصلاة فلا شك أنه عام عرضة للتخصيص ، ولهذا ثنت أن كل عام من أدلة الأحكام مخصص ، وأنه لم يوجد في شيء من أدلة المسائل عام لم يخصص أصلًا ، فهذا الحديث الوارد عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أعني : حديث ذي اليدين يخصص ذلك العام ، فيبني العام على الخاص ، ويكون الممنوع هو ما بقي من أفراد العام بعد التخصيص ، وهذا هو العمل الأصولي الذي لا
--> ( 1 ) ذكره القاضي عياض في « إكمال المعلم » ( 2 / 517 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه وهو حديث صحيح . ( 3 ) انظر « اختلاف الحديث » للشافعي ( ص 232 ) .